واختصاصات الحياة وهذا فهم كهنوتي للدين، هذا فهم النصارى الذين يقسمون الناس إلى قسمين: رجال الكهنوت الذين هم رجال الدين عندهم، والعلمانيين الذين هم رجال الدنيا، ليس عندنا في الإسلام هذا التقسيم، الدين والدنيا عندنا في سياق واحد، فكل أمور الحياة ومناشطها يجللها ويصبغها دين الله ﷿، الذي لم يدع شاذة ولا فاذة إلا دل الناس عليها؛ ولهذا عبر الله تعالى بتعبير بديع فقال ﷾: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وميزة الصبغة أنها تنتشر في جميع الأنسجة فأنت إذا أخذت قطعة قماش وغمستها في سائل ملون فإن هذا اللون يصبغ جميع الأنسجة، كذلك الدين؛ ما إن ينغمر القلب في دين الله ﷿ حتى يسمع بالله، ويبصر بالله، ويأتي ويذر بدين الله، فيصبح جميع الأمر لله ﷿ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالذبح عبادة فلا يجوز الذبح لغير الله أبدًا فمن ذبح لغير الله، ومن أهرق الدم تقربًا لغير الله، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله، وقد كان زيد بن عمرو أحد الحنفاء قبل بعثة النبي ﷺ-ينكر على مشركي العرب صنيعهم فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:(أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ)(١) فيالها من حجة بالغة.