للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

نارًا عظيمة وألقوه فيها وهو لم يحد عن توحيده لله ﷿، فلما هوى وتحته ألسنة النار عرض له جبريل فقال له: يا إبراهيم ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى (١). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ). (٢) فامرؤ هذا حاله في هذه المواقف العصيبة لا شك أنه قد قام قي قلبه من توحيد رب العالمين ما لا يبلغه وصف.

ومن دلائل توحيده أن الله تعالى ابتلاه بحبة قلبه وثمرة فؤاده وهو ابنه الذي أتاه على حين كِبَر فأراه الله تعالى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء حق ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] وما كان يستشيره في ذلك بل كان يتلطف في إخباره فما تدري أتعجب من الأب أم تعجب من الابن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]؛ أي كما يصنع من يريد أن يذبح الشاة بالشاة ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]، هكذا يكون التوحيد بأن يفرغ القلب من كل شبهة تخالف خبر الله ورسوله ومن كل شهوة تخالف أمر الله ورسوله، فهذا هو القلب السليم؛ فلذلك كان إبراهيم يدعو ربه ﷿ بأن يأتيه بقلب سليم فقال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]، قال ابن القيم "وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذى


(١) رواه الطبري موقوفا على الحسن، ورواه البيهقي عن جماعة من التابعين موقوفا، واحتج به الإمام أحمد كما نقله القاضي في طبقات الحنابلة (١/ ٤١٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٥٦٤).

<<  <   >  >>