وليس مراد الشيخ ﵀ بقوله: أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا، إثبات الخلق والرَّزق، فإن هذا أمر تدركه الفطر، وإنما مراده ما بعده.
قوله:(ولم يتركْنا هملًا؛ بل أرسلَ إلينا رسولًا): أي: أن مقتضى حكمته سبحانه وبحمده أن لا يخلقنا ويرزقنا ثم يدعنا، هملاً، بل خلقنا لحكمة، كما قال ﷾: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا يمكن أن يكون الله ﷿ بث هذه البشرية في الأرض لأجل أن تأكل وتشرب، وتنكح وتنام وتستيقظ، وتموت ثم ينتهي الأمر، هذا لا يتفق مع حكمته؛ فلهذا قال: بل أرسلَ إلينا رسولًا: (رسولًا) هنا يمكن أن يكون اسم جنس، فإنه قد أرسل إلى كل أمة رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلَا فِيهَا نَذِير﴾ [فاطر: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ [النحل: ٣٦]، ويمكن أن يكون الرسول في حقنا هو خاتمهم وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله:(فمنْ أطاعَهُ دخلَ الجنَّةَ ومنْ عصاهُ دخلَ النّارَ: والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ? فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]): هذا المنطوق وأما المفهوم؛ فمن أطاعه فإن الله تعالى يكرمه ويثيبه ويأجره ويدخله الجنة، كما جاء صريحًا في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ:(كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (١).