للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عجب الذنب وهو العصعص، فمنه يُرَّكب الخلق يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ، قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ، خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (١) وكأن هذا الموضع يحتفظ بالصفات الوراثية لكل آدمي؛ فمنه يتركب خلقًا جديدًا حين يأذن الله تعالى بالبعث والنشور.

قوله: (﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾)؛ أي: من الأرض، لكن الأرض المبدلة، هي ذات الأرض في مادتها لكنها على نحو جديد، فالأرض التي يبعث عليها الناس يوم القيامة تمد مد الأديم، مسطحة كالقرصة، ليس فيها معلم لأحد، لا جبل يُعلو عليه، ولا واد يكنِّه؛ كما قال : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١١١]. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ» (٢).

لن تجد تصويرًا لذلك المشهد العجيب الرهيب أبلغ من هذا التصوير، أرض جديدة تنشق عن المودَعين فيها من لدن آدم ، ممن كانت أطوالهم ستون ذراعًا في السماء إلى من هم في مثل أطوالنا، إلى ما يكون من الخلق بعد ذلك، ومعهم الوحوش والعشار والدواب والطير


(١) أخرجه البخاري رقم (٤٨١٤)، ومسلم رقم (٢٩٥٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٥٢١)، ومسلم رقم (٢٧٩٠).

<<  <   >  >>