وجاءت بهذه المؤكدات العظيمة، فالبعث حق، وفي الصحيح عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ:«يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»(١)، حفاةً: غير منتعلين، عراة: غير مكتسين، غرلًا: غير مختومين، بُهمًا: ليس معهم شيء؛ أي: أن الإنسان يرد بخلقه الكامل، حتى القلفة التي تكون على رأس الذكر، وتختن في وقت الصغر تعود مع صاحبها ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
قوله:(وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]): مرجع الضمير في الجمل الثلاث إلى الأرض، وذلك أن الله تعالى خلق أبانا آدم من قبضة من تراب الأرض -من سهله ووعره وأحمره وأسوده- ولأجل ذا جاءت أخلاق بنيه على أنحاء متفرقة، فمنهم السهل، ومنهم الصعب، كما أن ألوانهم متفاوتة؛ لحكمة بالغة، قبض الله قبضةً من تراب الأرض، وجعل فيها الماء فكانت طينًا، ثم بعد ذلك يبست؛ فصارت بعد أن شكلها الرب ﷾ صلصالًا كالفخار، ثم نفخ فيها من روحه فاستحال خلقًا جديدًا.
قوله:(﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]): وذلك أن ابن آدم إذا مات دُسَّ في الأرض ووري الثرى، كما دل الله تعالى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه على هذه السنة الكونية. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. فمنذ ذلك الحين علم الناس سنة الدفن، فيعود الإنسان ترابًا، تتحلل أجزاؤه، ويفنى ولا يبقى منه إلا