ومن خلال قراءاتي لكتاب الرافعي في الإعجاز وكتبه الأخرى التي عرض فيها لنظريته في النظم شعرت بأن نظرية الرافعي جاءت رداً ذكياً على بعض نظريات السابقين، وكنت أشعر في كثير من المواطن أن الرافعي -أو كأنه- يوجه كلامه إلى عبد القاهر خصوصاً وكل من قال بقوله في النظم عموماً.
ولو رجعنا إلى الوراء لوجدنا من عبد القاهر نظرة استشرافية وإطلالة توقعية على المستقبل، حيث جاء في كلامه تصريح في أن النظم لا يجوز أن يكون في نحو ما ذكره الرافعي، يقول في ذلك:(ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا:«حروف منظومة»، و «كلم منظومة».
وذلك أن «نظم الحروف» هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب»، لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد، وأما «نظم الكلم» فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس. فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو «النظم» الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيراً للنسخ والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكون لوضع كلٍّ حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح) (١).