وقول صاحب «الشامل»: إن حديث ابن اللتبية (١) فيما أهداه له من له عليه صدقة محتمل، وليس بنَص، فإن الحديث مطلق ولم يستفسره النبي ﷺ هل هي [غلها](٢) من جهة أهل الصدقة أو لا؟ وهل إهداؤها له قبل إعطائهم الصدقة أو بعدها؟ فإن بعد الإعطاء تفرغ ولايته، فيصيرون كالمتخاصمين بعد الخصومة، وترك الاستفصال تنزل منزلة العموم (٣).
وقال صاحب «البيان»: يحرم على القاضي أخذ الرشوة؛ للحديث (٤)، ولأنه إن أخذها للحكم بغير الحق فهو محرم، فكذا ما لو أخذ عليه، وإن أخذها ليتوقف عنه فكذلك، وإن أخذها ليحكم بالحق لم يجز؛ لأنه يأخذ الرزق من الإمام.
وإن أهدي إلى القاضي أو عامل الصدقة، فإن لم يكن عادة حَرُمَ، وإن كانت عادة فإن كان له حكومة لم يجز؛ لأن زيد بن ثابت كان يُهدي إلى عمر كلَّ سنة لبنا، ثم استقرض منه من بيت المال، فأهدى زيد لعمر فلم يقبل، وقال: لعله إنما قُدّم لنا لما أقرضناه، فلم يقبل منه حتى قضى دينه (٥).
وإن لم يكن حكومة، حكى ابن الصباغ وجهين (٦)، فإن خرج القاضي عن محل ولايته فأهدي إليه، فهل يجوز قبولها؟ فيه وجهان:
(١) سبق تخريجه. (٢) على الصواب بالغين المعجمة ـ لا بالعين المهملة كما في الأصل ـ، وهو مطلق الأخذ من الصدقة بغير وجه، فحكم عليه بالغلول. والله اعلم. (٣) ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، هذه القاعدة الأصولية اشتهرت عن الإمام الشافعي ﵀ كما حكاه التاج السبكي في الأشباه والنظائر ٢/ ١٣٧. (٤) وهو أن النبي ﷺ قال: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» سبق تخريجه. (٥) هذه القصة ذكرها الماوردي في الحاوي ٥/ ٣٥٨، والروياني في بحر الذهب ٥/ ٧٢، والعمراني في البيان ١٣/ ٣٢. (٦) ينظر: الشامل (٢٤٠، ٢٤١).