ولأنه مائع ينشر الحرمة، فكان طاهرًا؛ كاللبن من آدمية، ونشر الحرمة به ما ينعقد منه من البنوة، ولأنه مبتدأ خلق البشر، فكان طاهرًا، دليله: التراب مبتدأ خلق آدم - عليه الصلاة والسلام - بقوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}[الحجر: ٢٦]، والصلصال: الطين اليابس الذي إذا نقرته (١)، صَلَّ، وهذا قبل أن تمسه النار، فإذا مسته، فهو فخار (٢)، والحمأ: جمع حَمْأَة، وقوله:{مَسْنُونٍ} قد قيل: مصبوب، من قولهم: سنيت الماء؛ أي: صبيته، وقيل: متغير، قال الله تعالى:{فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ}[البقرة: ٢٥٩]: لم يتغير (٣).
فإن قيل: آدم من البشر، ولم يخلق من المني، وولد آدم من البشر، ولم يخلق من التراب، وإنما خلقوا من المني.
قيل له: يصح أن يقال: ما خُلق منه آدم، فهو أصل لأولاده، والمني فهو أصل لهم، فيصح أن يقال: إنه مبتدأ خلقهم، على أنا لم ندع أن الصلصال [ابتداء] خلق كل بشر، ولا المني ابتداء خلق كل بشر، بل ادعينا أن كل واحد منهما ابتداءُ خلق بشر، وهذا مسلَّم، وقد قال بعضهم: مبتدأ خلق آدمي، فهو كالصلصال، وهذا غير صحيح؛ لأن التراب أصلُ آدم، والمني أصل ولده، وليس آدم بآدمي، وإنما ذلك اسمٌ لولده، والصحيح
(١) في الأصل: تقر صل، والتصويب من تفسير الطبري، وزاد المسير. (٢) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ٥٧)، وزاد المسير (٤/ ٣٩٧). (٣) ينظر: تفسير الطبري (١٤/ ٦٠)، وزاد المسير (٤/ ٣٩٨).