للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وجاوزهم، ومرّ على أرض الذّهب فرأى فيها قضبانا نابتة من ذهب.

ولم يزل يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصبّ ماء النّيل فيها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر، وسار حتى بلغ هيكل الشّمس وتجاوزه حتى بلغ جبل القمر، وهو جبل عال، وإنّما سمّي جبل القمر لأنّ القمر لا يطلع عليه لأنّه خارج من تحت خطّ الاستواء (١).

ونظر إلى النّيل يخرج من تحته فيمرّ في طرائق كأنّها رقاق (a) حتى ينتهي إلى حظيرتين، ثم يخرج منهما في نهرين حتى ينتهي إلى حظيرة أخرى، فإذا جاز (b) خطّ الاستواء أمدّته/ عين تخرج من ناحية نهر مهران (c) بالهند، وتلك العين أيضا تخرج من تحت جبل القمر إلى ذلك الوجه. ويقال إنّ نهر مهران (c) مثل النّيل يزيد وينقص، وفيه التّماسيح والأسماك التي مثل أسماك النّيل. ووجد الوليد بن دومغ القصر الذي فيه التّماثيل النّحاس التي عملها هرمس الأوّل في وقت البودسير بن قفطريم بن قبطيم بن مصرايم (٢).

وقد ذكر قوم من أهل الأثر أنّ الأنهار الأربعة تخرج من أصل واحد من قبّة في أرض الذّهب التي من وراء البحر المظلم، وهي سيحون وجيحون والفرات والنّيل، وأنّ تلك الأرض من أرض الجنّة، وأنّ تلك القبّة من زبرجد، وأنّها قبل أن تسلك البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور؛ وممّن جاء بهذا رجل من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم وصل إلى تلك القبّة، وقطع البحر المظلم، وكان يقال له حائد (٣).

وقال آخرون: تنقسم هذه الأنهار على اثنين وسبعين قسما حذاء اثنين وسبعين لسانا للأمم؛ وقال آخرون: هذه الأنهار من ثلوج تتكاثف، ويذيبها الحرّ فتسيل إلى هذه الأنهار، وتسقي من عليها، لمّا يريد اللّه ﷿ من تدبير خلقه؛ قالوا: ولمّا بلغ الوليد جبل القمر، رأى جبلا عاليا فعمل حيلة إلى أن صعد إليه ليرى ما خلفه، فأشرف على البحر الأسود الزّفتيّ المنتن، ونظر إلى النّيل يجري عليه كالأنهار الرّقاق، فأتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من


(a) بولاق: وأنهار دقاق.
(b) بولاق: جاوز.
(c) في جميع النسخ مكران وصوبها فييت إلى مهران.
(١) يتفق النص مع ما نقله النويري عن ابن وصيف شاه في نهاية الأرب ١١٤: ١٥، وقارن كذلك مع المسعودي: أخبار الزمان ١١٢ - ١١٣.
(٢) المسعودي: أخبار الزمان ١١٣ وقارن مع النويري: نهاية الأرب ١١٥: ١٥.
(٣) يوجد هذا النص عند المسعودي: أخبار الزمان ٢١٤.