أنّه قهرهم بجبروته وقوّته فكان الذّكر له، كما تجبّر عليهم (a) أبوه من قبله لأنّه كان أكبرهم، ولذلك أغضوا عنه.
فيقال إنّه أرسل هرمس الكاهن المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النّيل من تحته حتى عمل هناك هيكل (a) التّماثيل النّحاس، وعدل البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النّيل. ويقال إنّه الذي عدّل جانبي النّيل، وقد كان يفيض، وربّما انقطع في مواضع (١).
وهذا القصر الذي فيه تماثيل النّحاس يشتمل على خمس وثمانين صورة، جعلها هرمس جامعة لما يخرج من ماء النّيل بمعاقد ومصاب مدبّرة (b)، وقنوات يجري فيها الماء، وينصبّ إليها إذا خرج من تحت جبل القمر، حتى يدخل من تلك الصّور ويخرج من حلوقها وجعل لها قياسا (c) معلوما بمقاطع وأذرع مقدّرة، وجعل ما يخرج من هذه الصّور من الماء ينصبّ إلى الأنهار، ثم يصير منها إلى بطيحتين، ويخرج منهما حتى ينتهي إلى البطيحة الجامعة للماء الذي يخرج منه تحت الجبل.
وعمل لتلك الصّور مقادير من الماء الذي يكون معه الصّلاح بأرض مصر وينتفع به أهلها دون الفساد، وذلك الانتهاء المصلح ثمانية عشر ذراعا بالذّراع الذي مقداره اثنان وثلاثون أصبعا، وما فضل عن ذلك عدل [به] (d) عن يمين تلك الصّور وشمالها إلى مسارب يخرج ويصبّ في رمال وغياض لا ينتفع بها من خلف خطّ الاستواء، ولولا ذلك لغرّق ماء النّيل البلدان التي يمرّ عليها (٢).
قال: وكان الوليد بن دومغ العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقّل في البلدان ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها، فلمّا صار إلى الشّام انتهى إليه خبر مصر وعظم قدرها، وأنّ أمرها قد صار إلى النّساء وباد ملوكها، فوجّه غلاما له يقال له عون إلى مصر، وسار إليها بعده واستباح أهلها، وأخذ الأموال، وقتل جماعة من كهنتها.
ثم سنح له أن يخرج ليقف على مصبّ النّيل فيعرف ما بناحيته (e) من الأمم، فأقام ثلاث سنين يستعد لخروجه، وخرج في جيش كثيف (f)، فلم يمرّ بأمّة إلا أبادها، ومرّ على أمم السّودان
(a) ساقطة من بولاق. (b) بولاق: مدورة. (c) بولاق: قماشا. (d) إضافة من المسعودي. (e) بولاق: بحافتيه. (f) بولاق: عظيم. (١) النويري: نهاية الأرب ٤٩: ١٥؛ وقارن مع المسعودي: أخبار الزمان ١٠٦ - ١٠٧. (٢) هذا النص موجود عند المسعودي: أخبار الزمان ٢١٣ - ٢١٤.