للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الشّاسعة» (فيما يلي ٧٢٧). وتدلّ هذه الإشارة على أنّ النّظام الصّوفي لم يكن قد عرف بعد في مصر الخارجة من ظلّ الدّولة الفاطمية ذات الإيديولوجية الإسماعيلية؛ وولّى صلاح الدّين عليهم شيخا منهم، ووقف عليهم بستان الحبّانيّة بجوار بركة الفيل خارج حدود القاهرة الجنوبية وقيساريّة الشّرب بالقاهرة وناحية دهمرو من البهنساوية. وأطلق على شيخ هذه الخانكاه لقب «شيخ الشّيوخ»، وظلّ كذلك إلى أن بنى النّاصر محمد بن قلاوون «خانكاه سرياقوس» سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م، فأصبح شيخ هذه الخانكاه هو الذي يدعى ب «شيخ الشّيوخ». ولكن المقريزي يضيف أنّه بعد الحوادث والمحن من سنة ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٤ م «اتّضعت الأحوال وتلاشت الرّتب فتلقّب كلّ شيخ خانقاه ب «شيخ الشّيوخ» (فيما يلي ٧٢٩).

وبما أنّ «الخانكاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء» كانت إنشاء أيّوبيّا، فلم يكن بها منبر، وكان أهلها من المتصوّفة يصلّون الجمعة بالجامع الحاكمي وكانت لهم رسوم مميّزة في ذلك، فيذكر المقريزي - نقلا عن من أخبره من شهود العيان - «أنّ النّاس في يوم الجمعة كانوا يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفيّة سعيد السّعداء، وكانوا جميعا من أهل العلم والصّلاح، عند ما يتوجّهون إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكمي كي تحصل لهم البركة والخير» (فيما يلي ٧٢٩)، وظلّ الأمر على ذلك حتى جدّد يلبغا السّالمي الجامع الأقمر في سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٩ م فألزمهم أن يتحوّلوا من الجامع الحاكمي ويصلّوا الجمعة بالجامع الأقمر (فيما يلي ٧٣٢).

وأوّل منشأة أنشئت بالقاهرة بغرض أن تكون خانكاه للصّوفيّة هي «الخانكاه البندقداريّة»، المعروفة ب «زاوية الأبار»، التي أنشأها الأمير علاء الدّين البندقدار سنة ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م بالقرب من الصّليبة، «وجعلها مسجدا للّه تعالى وخانقاه، ورتّب فيها صوفيّة وقرّاء» (فيما يلي ٧٥٤ - ٧٥٦). وما تزال بقايا هذه الخانكاه، وتشتمل على قبّتين للدّفن، باقية إلى الآن في شارع السّيوفيّة بجوار قصر الأمير طاز.

أمّا أوّل خانكاه بمعنى الكلمة أنشئت بالقاهرة ف «خانكاه بيبرس الجاشنكير» التي بناها الأمير بيبرس الجاشنكير بين سنتي ٧٠٦ هـ - ١٣٠٦/ ٧٠٩ - ١٣٠٩ م قبل تولّيه السّلطنة في موضع دار الوزارة الكبرى الفاطمية بالقرب من باب النّصر. وهي الخانكاه الوحيدة الباقية في القاهرة ذات تخطيط متعامد (مثل تخطيط المدارس)، ووصفها المقريزي بأنّها «أجلّ خانكاه في القاهرة بنيانا وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة» (فيما يلي ٧٣٢). ونظرا لحسن بنائها «لم يحتج فيها إلى مرمّة» منذ