للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم، وكان من علومهم علم الطّبّ، وعلم النّجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وعلم الطّلّسمات. ويقال: كانت مصر في الزّمن الأوّل يسير إليها طلاّب العلوم لتزكو عقولهم وتجود أذهانهم، ويتميّز عندهم الذّكاء، وتدقّ الفطنة.

ومن فضائل مصر أنّها تمير أهل الحرمين، وتوسّع عليهم.

ومصر فرضة الدّنيا، يحمل خيرها إلى ما سواها: فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين واليمن والهند والصّين وعمان والسّند والشّحر، وساحلها من جهة تنّيس ودمياط والفرما فرضة بلاد الرّوم والإفرنج وسواحل الشّام والثّغور إلى حدود العراق، وثغر إسكندرية فرضة أقريطش وصقلّيّة وبلاد المغرب، ومن جهة الصّعيد يحمل إلى بلاد العرب والنّوبة والبجة والحبشة والحجاز واليمن.

وبمصر عدّة من الثّغور المعدّة للرّباط في سبيل اللّه تعالى، وهي البرلّس ورشيد والإسكندرية وذات الحمام والبحيرة وإخنا ودمياط وشطا وتنّيس والأشتوم والفرما والورّادة والعريش وأسوان وقوص والواحات؛ فيغزى من هذه الثّغور الرّوم والفرنج والبربر والنّوبة والحبشة والسّودان.

وبمصر عدّة مشاهد وكثير من المساجد، وبها النّيل والأهرام والبرابي والأديار والكنائس.

وأهلها يستغنون بها عن كلّ بلد، حتى إنّه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور لاستغنى أهلها بما فيها عن جميع البلاد (١).

وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته، وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر وتعتني به، وملوك النّصرانية تترامى على طلبه، والنّصارى كافّة تعتقد تعظيمه، وترى أنّه لا يتمّ تنصير نصراني إلاّ بوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها (٢).

وبها السّقنقور ومنافعه لا تنكر، وبها النّمس والعرس ولهما في أكل الثّعابين فضيلة لا تنكر، فقد قيل: لولا العرس والنّمس لما سكنت مصر من كثرة الثّعابين، وبها السّمكة الرّعّادة ونفعها في البرء من الحمّى إذا علّقت على المحموم عجيب (٣).


= صاحب «تاريخ الأهرام» ونقل عنه في مواضع متعدّدة (أسرار علوي الأجرام ١٣، ٩٠، ٩٨). (انظر أخباره عند، المقريزي: المقفى الكبير ٢٠٨: ٥، ٤٥٢؛ ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان ٩٦٧: ٢؛ ٢١٣ .. (Sezgin، F.، GASi، p
(١) النويري: نهاية الأرب ٣٥٤: ١.
(٢) ابن فضل اللّه العمري: مسالك الأبصار (ممالك مصر والشام) ١٣؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٢٨٣: ٣؛ وفيما يلي ٢٣٠: ١.
(٣) النويري: نهاية الأرب ٣٥٥: ١؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٣: ١؛ وفيما يلي ٦٦: ١.