للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وانتقلوا عنها بسبب الأفعى، وانتشر حديث الأفعى في البلاد؛ ومضى على هذا مدّة، فإذا في بعض الأيام قد جاءني رجل وسألني كما سأل الأول؛ وكان يشبهه صورة وشكلًا، فمنعته وأشرت عليه بعدم التعرّض للأفعى وأخبرته خبر الرجلين فقال: الرجلان كانا أخوي ولا بدّ لي من الأخذ بثارهما أو اللحوق بهما، فعينت له البستان وصعدت السطح، فأخرج دهنًا وطلى به بدنه مرّة بعد أخرى حتى صار الدهن يُنقط من بدنه؛ ثم دخن، فخرج الأفعى، فأخذ الحواء يحاربها من قفاها، فانثنت عليه وعضت إبهامه، فبادر الحواء وخرم فاها وجعلها في سلة؛ وأخرج سكينًا كان معه فقطع إبهام نفسه وأغلى زيتًا وكواها، فحملناه إلى الضيعة فرأى ليمونة في يد صبي يلعب بها؛ فقال: أهذا موجود عندكم؟ فقلت: نعم، فقال: أغثني بكل ما تقدر عليه فإنّ هذا في بلدنا يقوم مقام الترياق، فقلت: أيما هو بلدكم؟ فقال: عمان، فآتيته بشيء كثير من الليمون؛ فأخذ يقضمه ويسرع في أكله ويعصر ماءه ويطلي به الموضع حتى تجاوز عن وقت موت أخويه، وأصبح من الغد سالمًا وقال: ما خلصني الله إلا بالليمون؛ وأظنّ أنّ أخوي لو اتفق لهما ما تلفا، ثم أخرج الأفعى وقطع رأسه وذنبه وأغلاه في طنجير واستخرج دهنه وجعله في قوارير وانصرف.

وقال ابن البيطار (١): قشره لما فيه من المرارة والقبض والعطرية يقوي المعدة؛ وينبه الشهوة للغذاء؛ ويعين على جودة الهضم والاستمراء؛ ويطيب النكهة والجشأ؛ ويقوي القلب، ويصلح كيفيات الأخلاط الرديئة، وفيه باذزهرية تقاوم مضار السموم المشروبة والمصبوبة؛ ويخلّص منها إذا أُخذ على جهة الدواء، فأما على جهة الغذاء، فهو عسر الانهضام، بطيء الانحدار، قليل الغذاء.

والليمو يعتصر ويستعمل بعد تقشيره من قشره الخارج الأصفر حتى ينسلخ منه ولا يبقى عليه إلا القشر الرقيق الأبيض الذي يشبه غِرْقِئ البيضة، وقد يبقى القشر عليه ويعتصر، والمعتصر بعد قشره فعصارته باردة يابسة، وإنما الكلام على المعتصر بقشره؛ لأنه المستعمل المعتاد فيقول: إنّه لطيف الجوهر؛ شديد الجلاء؛ قوي التقطيع للأخلاط الغليظة اللزجة، ملطف لها، وتدل على جلاثه أفعاله في بدن الإنسان وغيره من الأجسام والنحاس؛ وتنقية الأوساخ وقلعه الطبع من الثوب؛ والبهق الأسود والكلف والقوابي إذا دلكت به أو طلي عليها، وبهذه القوة صار يبرد الإلتهاب في المعدة ويطفيء حدّة الدم وهيجه، ويسكن الغليان ويلطف الغلظ، وينفع الحميات.


(١) الجامع ٤/ ١١٨ - ١٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>