فردهم، فلما اجتاز بالكرك عدل إليها فنصب له الجسر فلما توسطه انكسر به فسلم من كان قدامه وقفز به الفرس فنجا وسقط من وراءه فكانوا خمسين، فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي تحته، وأقام السلطان بالكرك، ثم كتب كتابا إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك القضاة بمصر، ثم نفذ على قضاة الشام، وبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شهر شوال ولقب «الملك المظفر» وقلده الخليفة، وألبسه الخلعة السوداء والعمامة المدورة، ونفذ التقليد إلى الشام في كيس أطلس أسود فقرئ هناك، وأوله ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ﴾ (١).
ثم عاد الملك الناصر في رجب سنة تسع يطلب عوده إلى الملك، ومالأه على ذلك جماعة من الأمراء؛ فدخل دمشق في شعبان، ثم دخل مصر يوم عيد الفطر وصعد القلعة، وكان المظفر بيبرس فرّ في جماعة من أصحابه قبل قدومه بأيام، ثم أمسك وقتل من عامه، وقال العلاء الوداعيّ (٢) في عود الناصر إلى الملك:
الملك الناصر قد أقبلت … دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسيّه مثل ما … عاد سليمان إلى الكرسي
وفي هذه السنة تكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمائة ألف دينار كل سنة زيادة على الجالية، فقام الشيخ تقي الدين بن تيمية في إبطال ذلك قياما عظيما وبطل وللّه الحمد.
وفيها أظهر ملك التتار خوبند الرّفض في بلاده، وأمر الخطباء أن لا يذكروا في الخطبة إلا علي بن أبي طالب، وولديه، وأهل البيت، واستمر ذلك إلى أن مات سنة ست عشرة، وولي ابنه أبو سعيد؛ فأمر بالعدل، وأقام السنة والترضي عن الشيخين، ثم عثمان، ثم علي في الخطبة، وسكن كثير من الفتن وللّه الحمد، وكان هذا من خير ملوك التتار وأحسنهم طريقة، واستمر إلى أن مات سنة ست وثلاثين،
(١) سورة النمل: آية ٣٠. (٢) علي بن المظفر بن إبراهيم الكندي الوداعي، علاء الدين، ويقال له ابن عرفة، ولد في الإسكندرية عام ٦٤٠ هـ، أديب، متفنن، شاعر، عارف بالحديث والقراءات. أقام بدمشق وفيها توفي سنة ٧١٦ هـ.