للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في أمر اللّه، بطلا، شجاعا لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا.

قال الخطيب: لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل، وقال هاشم بن القاسم:

كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان، فوثبت لأنصرف، فقال لي: اجلس، فجلست، وتقدم فصلى بنا، ثم دعا بالطعام، فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبز النقي، وفيه آنية فيها ملح وخل وزيت، فدعاني إلى الأكل، فابتدأت آكل ظانا أنه سيؤتى بطعام، فنظر إليّ وقال: ألم تك صائما؟ قلت: بلى، قال:

أفلست عازما على الصوم؟ فقلت: كيف لا وهو رمضان؟ فقال: كل واستوف فليس ههنا من الطعام غير ما ترى، فعجبت، ثم قلت: ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ اللّه نعمته عليك؟ فقال: إن الأمر ما وصفت، ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز - وكان من التقلل والتّقشّف على ما بلغك - فغرت على بني هاشم؛ فأخذت نفسي بما رأيت.

وقال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء، فقلت له: كان أحمد بن حنبل يقول به، ولكنه كان يخالف - أشير إلى من مضى من آبائه - فقال:

رحم اللّه أحمد بن حنبل! واللّه لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه، ثم قال لي:

تكلم بالحق وقل به، فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني.

وقال نفطويه: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفط فيه جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان قد اطرح الملاهي، وحرم الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه، ويجلس الكتّاب بين يديه، فيعملون الحساب، وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس، وضرب جماعة من الرؤساء، ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد، وكره مكانه؛ لأنه نسب عنده إلى الرفض.

وقدم موسى بن بغا من الري يريد سامراء لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز، وأخذ أموال أمه ومعه جيشه، فصاحت العامة على ابن وصيف: يا فرعون قد جاءك موسى، فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدي، فلم يأذن له، فهجم بمن معه عليه - وهو جالس في دار العدل - فأقاموه، وحملوه على فرس ضعيفة، وانتهبوا القصر، وأدخلوا المهتدي إلى دار ناجود وهو يقول: يا موسى اتق اللّه، ويحك! ما

<<  <  ج: ص:  >  >>