خزائنه، وساءت حال الناس بسبب ذلك، وعظم الشر، وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي، ومن جملة ما قيل في بغداد:
بكيت دما على بغداد لمّا … فقدت غضارة العيش الأنيق
أصابتها من الحسّاد عين … فأفنت أهلها بالمنجنيق
ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا، ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون، ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحرافشة، إلى أن استهلت سنة ثمان وتسعين، فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسرا، فخرج الأمين بأمه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء.
قال محمد بن راشد: أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين بمدينة المنصور، قال: فطلبني ليلة فأتيت فقال: ما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر وضوءه في الماء؟ فهل لك في الشراب؟ قلت: شأنك، فشربنا، ثم دعا بجارية اسمها ضعف، فتطيرت من اسمها، فأمرها أن تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا … وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدم
فتطير بذلك، وقال: غني غير هذا فغنت:
أبكى فراقهم عيني فأرقها … إن التفرق للأحباب بكّاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء
فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم … حتى أؤوب وما في مقلتي ماء
فقال لها: لعنك اللّه! ما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننت أنك تحب هذا ثم غنت:
أما ورب السكون والحرك … إن المنايا كثيرة الشّرك
ما اختلف الليل والنهار، ولا … دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك