وسبب ذلك في زماننا على الخصوص قلة المبالاة من كثير منهم بأمر الدين، فيحترز من خطه خشية أن يُتَّخَذ حجَّةً عليه ويؤاخذ به أكثر مما يحترز في لفظه، وفي تصنيفه الذي يعتقده تطولُ مدَّته بعده أكثر من احترازه في رقعة فتيا يَبْعُدُ طُولُ مدَّتها، ولو تأمل المسكين أنه ناطق عن الله تعالى لما افترق الحال عنده بين اللسان والخط القريب من الانعدام، والبعيد منه، فليحترز الموقع عن الله، وليخش على دينه أكثر من خشيته على دنياه الفانية، فإنَّ هذا المقصد (١) ليس إلا للدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا أمنع عنه الدين أيضًا؛ فقد يقول الفقيه: إني أحترز على ما يدوم خشية الفساد العظيم أشَدَّ من احترازي فيما لا يدوم؛ لقلة الفساد فيه، وهذا جيد، وغيره أجود منه، والله يعلم المفسد من المصلح، وهو الناظر إلى قلوبنا.
وربما أعطوا النظر حقه، غير أنَّ عصرهم اشتمل على أشدَّ نظرًا، وأدق تحقيقا، وأوسع علمًا، فما (٢) أعطوا النظر حقه؛ لأنَّ من حقه معاودة هذا العالم، واستخراج ما عنده، وإن كانوا لا يقلدونه، غير أنه يخرج من تحرك البحث بين عالمين ما لا يُخرجه ذهن العالم وحده، وهذا قولنا فيما بين النظيرين، فما ظنك بالعالم مع الأعلم؟!
ولقد وقعت في الديار المصرية قديما، وهي مشحونة بأساطين الشافعية، مثل ابن الكتناني، وابن عدلان، وابن الأنصاري، وابن القماح، وابن البلفاني (٣)،
(١) في ظ ١، ظ ٢: (المقصود)، وفي ق: (القصد)، والمثبت من بقية النسخ. (٢) في ظ ١، ظ ٢: (وما)، والمثبت من بقية النسخ. (٣) كذا ضبطها في ظ ١، وتصحفت في سائر النسخ، وقد ذكره المصنف في فتاويه وسماه هناك: «زين الدين البلقاني»، ولعله تصحيف هناك، ولم أقف له على ترجمة. انظر: فتاوى السبكي (٢/ ١٨٦).