للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أهل الإيمان يحفزهم باعث قوي، كما في قصة الرجل المؤمن فقال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠]، هذا السعي نابع من امتلائه بالإيمان، فتجده حيًّا يقظًا متحركًا بسبب هذه الجذوة التي تعتمل في داخله.

والمؤمن يكون في حال بين الخوف والرجاء، وبين الرغبة والرهبة، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، هذه حقيقة الإيمان؛ فالخوف والرجاء والرغبة والرهبة ويضاف إليهما المحبة، هي أسباب صلاح القلب، ولا يجوز الاقتصار على أحدها وترك الباقي؛ فإن بعض من يدعون السلوك يختارون خصلة واحدة ويدعون ما سواها، فتجد مثلًا من يعبد الله بالخوف وحده، وتجد من يعبد الله بالرجاء وحده، وتجد من يعبد الله بالحب وحده، قال أهل العلم: "من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد" (١).

فهناك من يعبد الله بالخوف وحده: وهذا حال الحرورية الخوارج الذين لا يقرؤون إلا نصوص الوعيد ويحجرون رحمة الله تعالى.

وبإزائهم المرجئة: الذين يوسعون دائرة الرجاء والأماني، ويتعلقون بنصوص الرجاء، ويغضون الطرف عن نصوص الخوف.

وهناك طائفة ثالثة وهم: "غلاة الصوفية"، الذين يعبدون الله بالحب وحده، ويدعون ما سواه حتى إن قائلهم يقول: "ما عبدتك طلبًا لجنتك


(١) نسبه الغزالي لمكحول الدمشقي كما في إحياء علوم الدين (٤/ ١٦٦)، وعزاه شيخ الإسلام ابن القيم إلى بعض السلف بدون تعيينهم. ينظر: العبودية (ص: ١١٢) بدائع الفوائد (٣/ ١١).

<<  <   >  >>