محال دونه، فقد بان وظهر أنّ المتعاطي القول في «النظم»، والزاعم أنّه يحاول بيان المزيّة فيه، وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي قدّمنا ذكرها، ولا يسلك إليه المسالك التي نهجناها، في عمياء من أمره، وفي غرور من نفسه، وفي خداع من الأماني والأضاليل. ذاك لأنه إذا كان لا يكون «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزيّة في «النظم»، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي «النّظم» عبارة عن توخّيها فيما بين الكلم) (١).
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سبق أحدٌ عبدَ القاهر في نظرية النظم؟
والجواب: نعم، إن فكرة النظم لم تكن وليدة فكر عبد القاهر، وليس هو أول من نطق بها أو اكتشفها. ومن حقق النظر وأطال الفكرة في نتاج من سبقه أو من عاصره ومات قبله وجد أن أناساً كثيرين قالوا بإعجاز النظم، تصريحاً أو تلميحاً، يقول عمر محمد باحاذق: (ونظرية النظم عند الإمام الجرجاني من النظريات الكبرى، وهذه النظرية لم تكن من اكتشافات الإمام عبد القاهر، ولا من اختراعاته، بل أمور قد سُبق إليها عند البلاغيين السابقين إن صح التعبير، بل إن بعضهم ألّف في نظم القرآن كالجاحظ، وإن كان الكتاب لم يُعثر عليه، بل إن جزئيات هذه النظرية تجدها مبعثرة عند كثير من السابقين على الإمام عبد القاهر، ولا نستبعد ولا نَبْعُد عن الصواب، إذا قلنا: إن أثر القاضي عبد الجبار في حديثه عن إعجاز القرآن كان له أكبر الأثر على الإمام عبد القاهر، ولكن وضعه نظرية مكتملة، ومفصلة، ومشروحة على هذا الوجه، ومدعومة بالأمثلة والشواهد،