للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأحضره للوقت، فاتّفق له من الحديث الحسن السّهل، وما سبب عمل الآلات، ومن ابتدأها من الأول، وذكر القدماء في ابتداء العالم (a)، ومن رصد منهم واحدا واحدا إلى آخرهم شرحا مستوفى، كأنّه يحفظه ظاهرا، أو يقرأه من كتاب (١).

فأعجب الأفضل والحاضرين، وقال: أيّ شيء تحتاج؟ فقال: ما أحتاج كبير أمر، والأمور سهلة، وكلّ ما أحتاجه في خزائن السّلطان - خلّد اللّه ملكه - النّحاس والرّصاص والآلات، وكلّ ما أحتاج أستدعيه أوّلا أوّلا، والنّفقات وأجرة الصّنّاع فيتولاّها غيري. فأعجب به وقال:

يطلق له جار لنفسه؛ فقال: أنا مستخدم في عدّة خدم، فجواري تكفيني، فأنا مملوك الدّولة ما أحتاج إلى جار، وإذا بلغت الغرض وأنهيت الأشغال فهو المقصود.

وكان قيل للأفضل: هذا الرّصد يحتاج إلى أموال عظيمة، فقال: كم تقول يحتاج إليه؟ فقال: ما ينفق عليه إلاّ مثل ما ينفق على مسجد أو مستنظر.

فرجع يكرّر عليه القول، فقال: هاتوا ورقة. فكتب فيها:

«المملوك يقبّل الأرض وينهي: دعت الحاجة إلى خروج الأمر العالي إلى دار الوكالة بإطلاق مائتي قنطار من النّحاس الفخر، وثمانين قنطارا من النّحاس القضيب الأندلسي، وأربعين قنطارا من النّحاس الأحمر، ومن الرّصاص ألف قنطار، ومن الحطب ومن الحديد والفولاذ من الصّناعة ما لعلّه يحتاج إليه، ومن الأخشاب ومن النّفقة مائة دينار على يد شاهد ينفق عليه، فإذا فرغت أستدعي غيرها، وأحتاج موضعا يصلح الرّصد فيه، ويكون العمل والصّناعة فيه، ومباشرة السّلطان فيما يتوقّف عليه، وما يستأمر فيه».

فاستصوب الأفضل جميع ذلك، وأراد أن يخلع عليه فقال القائد: هذا فيما بعد إذا شوهدت أعماله. فخدم من أوّل الحال إلى آخرها ولم يحصل له الدّرهم الفرد؛ لأنّه كان يستحيي أن يطلب وهو مستخدم عندهم، وكانوا بأجمعهم يؤمّلون طول المدّة والبقاء، فقتل الأفضل ثاني سنة، وتغيّرت الأحوال.


(a) بولاق: القدماء في العلم.
(١) انظر عن ابن قرقة الطبيب فيما يلي ٦٣: ٢.