أو نحوها. وكان منجّمو الحضرة يومئذ - ابن الحلبيّ وابن الهيثمي وسهلون وغيرهم - يطلق لهم الجاري في كلّ شهر والرّسوم والكسوة على عمل التّقويم في كلّ سنة. وكان كلّ منهم يجتهد في حسابه وما تصل قدرته إليه، فإذا كان في غرّة السّنة حمل كلّ منهم تقويمه، فيقابل بينها وبين التّقويمات المحضرة من الشّام فيوجد بينها اختلاف كثير، فأنكر ذلك.
فلمّا كان غرّة ثلاث عشرة وخمس مائة - عند إحضار التّقاويم على العادة - جمع المنجّمين والحسّاب وأهل العلم، وسألهم عن السّبب في الخلف بين التّقاويم، فقالوا: الشّاميّ يحسب ويعمل على رأي الزّيج الممتحن (a) المأموني، ونحن نعمل على رأي الزّيج الحاكمي لقرب عهده، وبين المتقدّم والمتأخّر تفاوت وخلف، وقد أجمع القدماء أنّ القريب العهد أصحّ من المتقدّم لتنقّل الكواكب وتغيّر الحساب.
وتحدّثوا في معنى ذلك بما هو مذكور في موضعه، وأشاروا عليه بعمل رصد/ مستجدّ يصحّح به الحساب، ويخرج المعور والتّفاوت، وتحصل به المنفعة العظيمة، والفائدة الجليلة، والسّمعة الشّريفة، والذّكر الباقي؛ فقال: من يتولّى ذلك؟ فقال صاحب دسته ومشيره، الشّيخ الأجلّ أبو الحسن بن أبي أسامة: هذا القاضي ابن أبي العيش الطّرابلسيّ المهندس العالم الفاضل. وكان ابن أبي العيش صهره زوج ابنته، وهو شيخ كبير السّن والقدر، كثير المال. وساعده على ذلك القائد أبو عبد اللّه الذي تقلّد الوزارة بعد الأفضل، ودعي ب «المأمون بن البطائحي». فاستصوب الأفضل ذلك وقال: مروه يهتمّ بذلك، ويستدعي ما يحتاج إليه.
فكان أوّل ما بدأ به لمّا حصل ذلك أن مدح نفسه - وكان الأفضل غيورا على كلّ شيء، أشدّ ما عليه من يفتخر أو يلبس ثيابا مذكورة - ثم قال: هذه الآلات عظيمة، وخطرها جسيم، ولا كلّ أحد يقدم عليها ولا يحسنها. وأكثر الكلام والتّوسعة، وقال: يحتاج الذي يتولّى ذلك يعتمد معه الإنعام والإكرام، لتطيب نفسه للمباشرة، وينشرح صدره، ويقدح خاطره لما يعمل في حقّه.
فضجر الأفضل من ذلك وقال: لقد أكثر في مدح نفسه ولدده، وما يعاملنا بعد لا حاجة إلى معاملته.
فأشار القائد ابن البطائحي وقال: هنا من يبلغ الغرض بأسهل مأخذ، وأقرب وقت وأسرعه، وألطف معنى، أبو سعيد بن قرقة الطّبيب، متولّي خزائن السّلاح والسّروج والصّناعات وغير ذلك.