للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

/ وأخبرني الأمير الفاضل الثّقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركي (١) - رحمه اللّه تعالى - أنّه منذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه، وترخّصا لأهله، ولينا ورقّة طبع من قلّة الغيرة.

وممّا لم نزل نسمعه داعيا (a) بين النّاس أنّ شرب ماء النّيل ينسي الغريب وطنه.

ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النّظر في العواقب، فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكّان البلدان، بل يتناولون أغذية كلّ يوم من الأسواق بكرة وعشيّا. ومن أخلاقهم الانهماك في الشّهوات، والإمعان في الملاذ، وكثرة الاستهتار، وعدم المبالاة.

قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرّحمن بن خلدون، : أهل مصر كأنّما فرغوا من الحساب (٢).

وقد روي عن عمر بن الخطّاب أنّه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكّانها، فقال: إنّ اللّه تعالى لمّا خلق الأشياء جعل كلّ شيء لشيء؛ فقال العقل: أنا لاحق بالشّام، فقالت الفتنة: وأنا معك! وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك! وقال الشّقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصّحّة: وأنا معك!

ويقال: لمّا خلق اللّه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء والنّجدة والفتنة والكبر والنّفاق والغنى والفقر والذّلّ والشّقاء. فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك! وقالت النّجدة: أنا لاحقة بالشّام، فقالت الفتنة: وأنا معك! وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النّفاق: وأنا معك! وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك! وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشّقاء: وأنا معك (٣)!


(a) بولاق: دائما.
(١) الحافظ تاج الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن مسلّم الكركي المعروف بابن الغرابيلي المتوفى في جمادى الآخرة سنة ٨٣٥ هـ/ ١٤٣١ م. ودفن في تربة سعيد السعداء، كانت جنازته مشهودة حضرها ابن الديري والمحب بن نصر اللّه والمقريزي، وهو من تلاميذ ابن حجر العسقلاني. قال السخاوي: وهو في عقود المقريزي (ابن حجر: إنباء الغمر ٤٨٨: ٣ - ٤٨٩؛ السخاوي: الضوء اللامع ٣٠٦: ٩ - ٣٠٨).
(٢) هذه أحد المرات القليلة التي يروي فيها المقريزي عن شيخه وأستاذه ابن خلدون.
(٣) قارن مع المسعودي: مروج الذهب ١٨٣: ٢ - ١٨٤؛ أبي المحاسن: النجوم الزاهرة ٥١: ١.