ويقال إنّ مصريم نكح امرأة من بني الكهنة فولدت له ولدا فسمّاه قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر: قبطيم وأشمون وأتريب وصا، فكثروا وعمّروا الأرض وبورك لهم فيها.
وقيل إنّه كان عدد من وصل معهم ثلاثون رجلا، فبنوا مدينة سمّوها نافة، ومعنى نافة ثلاثون بلغتهم، وهي منف. وكشف أصحاب فليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم، وأثاروا المعادن، وعلّموهم علم الطّلّسمات، ووصفوا لهم عمل (a) الصّنعة، وبنوا على غير البحر مدنا منها رقودة مكان الإسكندرية. ولمّا حضر مصريم الوفاة عهد إلى ابنه قبطيم، وكان قد قسم أرض مصر بين بنيه، فجعل لقبطيم من قفط إلى أسوان، ولأشمون من أشمون إلى منف، ولأتريب الحوف كلّه، ولصا من ناحية صا البحرية إلى قرب برقة، وقال لأخيه فارق: لك من برقة إلى الغرب، فهو صاحب إفريقية ووالد الأفارق، وأمر كلّ واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه (١).
وأمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سربا، وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذّهب والجوهر ويزبروا عليه أسماء اللّه تعالى المانعة من أخذه؛ فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا في وسطه مجلسا مصفّحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب على كلّ باب منها تمثال من ذهب، عليه تاج مرصّع بالجوهر، وهو جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، وزبروا في صدر كلّ تمثال آيات مانعة، وجعلوا جسده في جرن (b) مرمر مصفّح بالذهب؛ وزبروا على مجلسه:
«مات مصريم بن بيصر بن حام بن نوح بعد سبع مائة عام مضت من أيّام الطّوفان، ولم يعبد الأصنام، إذ لا هرم ولا سقام ولا حزن ولا اهتمام، وحصّنه بأسماء اللّه العظام، لا يصل إليه إلاّ ملك ولدته سبعة ملوك تدين بدين الملك الدّيّان، ويؤمن بالمبعوث بالفرقان الداعي إلى الإيمان آخر الزّمان».
(a) بولاق: ووضعوا لهم عمل. (b) بولاق: جمد. (١) انظر كذلك فيما يلي ٣٧٠، ٥١٤.