= السنة؟! والشيخ يزعم أنه منهم؛ فما باله خالفهم، وسلك سبيل المعتزلة في تحكيم العقل، وردهم للأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لأهوائهم؛ إما أصلًا؛ وإما تأويلًا إذا لم يستطيعوا رده من أصله؟! وهذا عين ما فعله الشيخ؛ فإنه رد هذا الحديث لظنه أنه حديث غريب فرد -كما رأيت- وتأول أحاديث الزيارة بقوله: "ولعل نهي النبي ﷺ عن الاستغفار [لأمه]؛ لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبي مبعوث"! ونحن نقول له -كما تعلمنا من بعض السلف-: اجعل (لعل) عند ذاك الكوكب! فإن أحاديث الزيارة تدل دلالة قاطعة على أن بكاءَه ﷺ إنما كان شفقة عليها من النار، وهذا صريح في بعض طرق حديث بريدة؛ كما سبق ذكره مني في التعليق عليه قريبًا. ولذلك علق الإمام النووي على حديث أبي هريرة منها بقوله في "شرح مسلم": "فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى. وفيه النهي عن الاستغفار للكفار". وقال في شرح حديث أنس هذا: "فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. وفيه أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة ابراهيم وغيره من الأنبياء صلوات اللَّه تعالى وسلامه عليهم". قلت: وفي كلام الإمام النووي رد صريح على زعم (أبو زهرة) أن أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة النبي ﷺ لا يعذبون! ومع أن قوله هذا مجرد دعوى؛ لأنه لا يلزم من صحة القاعدة -وهي هنا أن من لم تبلغه الدعوة لا يعذب- أن الشخص الفلاني أو الأمة الفلانية لم تبلغهم الدعوة، بل هذا لا بد له من دليل كما هو ظاهر، وهذا مما لم يعرج عليه (أبو زهرة) مطلقًا، وحينئذٍ يتبين للقارئ الكريم كم قد تجنى على العلم حين رد حديث أنس، وتأول أحاديث الزيارة بما يفسد دلالتها بمجرد هذه الدعوى الباطلة؟! =