بالبلاغة، وهو التعريف بالاسم الموصول في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ [نوح: ٢١]، فلم يقل: اتبعوا سادتهم أو كبراءهم أو قادتهم أو نحو ذلك. وفي هذا من الرسائل الدعوية والتنبيهات التي تضيء الطريق أمام العبد؛ لتكون نظرته حقيقية في تعامله مع أقرب من يقابل أو يتعامل، ومعلوم أن شخصية سورة نوح قائمة على الدعوة، فهي موضوعها وعنوانها، ومن هذه الرسائل:
أولاً: أن يعرف الداعية أن ما يحصّله من المال والولد إنما هو نعمة من الله تعالى، لا حول له -أي: المخلوق- فيه ولا قوة. وفي التعبير بالموصول هنا توجيه للمدعوين بأن الأمر في الأموال والأولاد ليس كما يظنون، بل إن المال والولد قد يكونان نقمة على أهله إذا كانا صادَّين لهم عن الحق واتباع طريق الأنبياء.
ثانياً: أن يعرف الداعية أن هذه النعم قد تكون عائقاً له أمام قبول الدعوة وامتثالها. وأن يعلم الداعية أن أصحاب الأموال والأولاد أصحاب رأي متّبع وأنهم يؤثرون في المجتمع بسبب إمكانياتهم مقارنة باحتياجات أفراد المجتمع وتعدد طبقاته، قال ابن عاشور:(وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم: فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف أتباعهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأولادهم أرهبوا بهم من يقاومهم)(١).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج ٢٩، ص ٢٠٦ - ٢٠٧.