للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.

وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح (١٤٠٠): " إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها".

وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع.

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب أنه [٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.


(١٤٠٠) - رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١١٥) ومن طريقه البيهقي في السنن (١٠/ ١٢) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به مرفوعًا، وتصحيح الحافظ له هنا متعقب، فإن الحديث فيه انقطاع واختلاف ذكرهما الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٥٠) ط. الرسالة.
(١٤٠١) - سنن النسائي في الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ (٦/ ١٤٢).