وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز فى القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها [١] أكثر مما أعطاها. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري وطاوس، والحسن والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدّم من رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله، ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد (١٣٩٠) حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي، ﷺ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها -يعني: المختلعة- وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك.
وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس:(فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (١٣٩١)، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
(فصل)
قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فى رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه بعد، يتزوّجها إن
(١٣٩٠) - أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٤) من طريق أبى نعيم، وقبيصة عن سفيان به. وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٢٨) ومن طريقه البيهقي عن سفيان عن ابن جريج به. وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٧٤) (٤٨٤٨) من طريق مؤمن عن سفيان به. (١٣٩١) - تفسير الطبري (٤/ ٥٧٣) (٤٨٤٥).