فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَي﴾، فكان منادي رسول الله، ﷺ، إذا أقام الصلاة نادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا.
وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن [][١]، قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم.
وقال علي بن المديني: هذا إسناد [٢] صالح صحيح [٣]. وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله:(انتهينا): إنها تذهب المال وتذهب العقل. وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الآيات.
فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل؛ كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم المام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا ينهنهها [٤] اللقاء
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كانُ يقمِّشُه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه، أو
= حديث (٣٦٧٠)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٤٩)، والنسائي في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر (٨/ ٢٨٦) من طرق عن إسرائيل به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩) (٢٠٤٤) من طريق سفيان عن أبي إسحاق به. والحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند.