على محمد ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال ابن أبي حاتم:[وروي السدي، عن][١] أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى روايتيه، ومجاهد والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا [٢] عن جماعة، والله أعلم.
والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله، ﷿؛ ولهذا كان انتصاب قوله أو أشدّ ذكرًا على التمييز: تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و "أو"هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ [٣] إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، فليست هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإِجابة، وذمّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم:[﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾][٤] مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين][٥] فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة [٦] فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن [٧] الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأمّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من [٨] الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير
[١]- في ز، خ: "وروي عن". [٢]- سقط من: ت. [٣]- في خ: "فأرسلناه". [٤]- في ز، خ: "ومنهم". [٥]- في ز: بياض، وسقط من: خ. [٦]- في ز: "الأخرى". [٧]- في خ: "وإن". [٨]- سقط من: خ.