قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نرلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله، ﷺ، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم [١] أنتم كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن [٢] همتكم منبعثة على قتالهم كما أن [٣] همتهم منبعثة [٤] على [٥] قتالكم وعلى [٦] إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله [٧] الحسن البصري- من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة (١٠٧٣): أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا [٨] من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا [٩] [ولا أصحاب الصوامع"، رواه الإمام أحمد] [١٠].
(١٠٧٣) رواه مسلم في الجهاد والسير برقم (١٧٣١)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٥).