للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ويفعلونه؛ لأنهم كانوا يجدون قوّة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون علي السمن والصبر؛ لئلا تتخرق [١] الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم.

وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل [٢] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال [٣] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو [٤] نهارًا حتى يقضي اعتكافه.

وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره، وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية.

قال ابن أبي حاتم (١٠٦٣): وروي [٥] عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يتلبث [٦] فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل [٧]، وليس له أن يقبل امرأته ولا أن [٨] يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود [٩] المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه.

وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه [١٠]: منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة [١١].


(١٠٦٣) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١٩).