أكثر المفسرين والمعتبرين [١] من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين [٢] منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم:"إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند اللَّه لأهل الفروض وللعصبات رفع بها حكم هذه بالكلية.
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في "الصحيحين (٩٥٦) "، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه،ﷺ:"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ببيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، قال ابن عمر: ما مرّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.
والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم، كثيرة جدًّا.
وقال عبد بن حميد في "مسنده"(٩٥٧): أخبرنا عبيد اللَّه، عن مبارك بن حسان، عن نافع قال قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه ﷺ: "يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم؛ ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك".
وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ أي: مالًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وقتادة، وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال، أو كثر كالوراثة، ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم (٩٥٨):
حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقري [٣]، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال
(٩٥٦) - البخاري في كتاب الوصايا، باب: الوصايا برقم (٢٧٣٨) ومسلم في كتاب الوصية، برقم ١ - (١٦٢٧) (٩٥٧) - مبارك بن حسان: لين الحديث، قال أبو داود: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي في حديثه شيء. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف. وقال الأزدي: متروك يرمى بالكذب وقال ابن عدي روى أشياء غير محفوظة. (التهذيب ١٠/ ٢٤). (٩٥٨) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠٢ - (١/ ٢٩٩).