للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقول تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد في كتبهم التي بأيديهم، مما يشهد [١] له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا -لعنهم اللَّه! - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر [٢] يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى، واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن اللَّه لذلك النزر [٣] اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن اللَّه أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل [٤] القاطعات، فصدَّقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمّهم اللَّه في كتابه في غير [] [٥] موضع.

فمن [٦] ذلك هذه الآية الكريمة ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾، وفي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه أنه قال: "إن [٧] الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجَرُ في بطنه نار جهنم" (٩٣١).

وقوله: ﴿ولا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.

وقد ذكر ابن أبي حاتم (٩٣٢): وابن مردويه هاهنا حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه : "ثلاثة لا يكلمهم، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ولهم عذاب] [٨] أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر".


(٩٣١) - رواه مسلم في اللباس والزينة برقم ٢ - (٢٠٦٥)، من حديث أم سلمة .
ورواه البخاري في كتاب الأشربة، كتاب: آنية الفضة برقم (٥٦٣٤) - وكذا مسلم ١ - (٢٠٦٥) وابن ماجه (٣٤١٣) - مقتصرين على ذكر النهضة- من حديث أم سلمة .
(٩٣٢) - ابن أبي حاتم ١٥٣٦ - (١/ ٢٨٦). والحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه برقم ١٧٢ - (١٠٧).