والغيبة محرمة بالإِجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رَجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر:"ائذنوا لي، بئس أخو العشيرة"(٦٦). وكقوله لفاطمة بنت قيس وقد خطبها معاوية وأبو الجهم:"أما معاوية فصُعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"(٦٧). وكذا ما جَرَى مجرى ذلك. ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإِنسان الميت، كما قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي: كما تكرهون هذا طبعًا [١]، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا. وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، كما قال ﵇ في العائد في هبته:"كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه"(٦٨)، وقد قال:"ليس لنا مثل السوء"(٦٩). وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه ﵇ قال في خطبة الوداع:"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"(٧٠).
(٦٥) - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١٣٦) وفيه حسان بن مخارق ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٣٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، وبقية رجاله ثقات. (٦٦) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ما جوز من اغتياب أهل الفساد والريب، حديث (٦٠٥٤) (١٠/ ٤٧١)، ومسلم في كتاب: البر والصلة، كتاب: مداراة من يتقى فحشه، حديث (٧٣/ ٢٥٩١) (١٦/ ٢١٧). كلاهما من حديث عائشة ﵂. (٦٧) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، حديث (٣٦/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٣٤ - ١٣٨)، (٤٧، ٤٨/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٤٧، ١٤٨). (٦٨) - أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، حديث (٢٦٢٢) (٥/ ٢٣٥)، ومسلم في كتاب "الهبات"، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، حديث (٥/ ١٦٢٢ وما بعده) (١١/ ٩٢ - ٩٤). كلاهما من حديث ابن عباس. (٦٩) - أخرجه البخاري وهو جزء من الحديث السابق. (٧٠) - متفق عليه من حديث أبي بكرة ﵁ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: قول النبي ﷺ "رب مبلغ أوعى من سامع" حديث (٦٧) (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، وأطرافه في [١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧]. ومسلم في كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، حديث (٢٩، ٣٠/ ١٦٧٩) (١١/ ٢٤١ - ٢٤٧).