وقال أسباط، عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضيرُ تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم [١] فيخرّبون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما [٢] جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرِّم علينا قتالهم: قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي [٣] أن تُسْتَذلَ [٤] حلفاؤنا [٥]. فذلك حين عيرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.
وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَظِيم [٦]: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية. وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير [٧]، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة، وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرَّ برأس الجالوت، نزل به فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت؛ هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها [٨] مني أو لتكفُرَنَّ بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [٩] وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، وردّ عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر -يعني الرازي- حدثنا الربيع بن أنس (٥١٤)، أخبرنا أبو العالية: أنّ عبد الله بن سلام مَرَّ على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهنّ كلهنّ.
والذي [١٠] أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذمُّ اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي