للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ [١]﴾ الآية.

و [٢] قال محمد بن إسحاق بن يسار، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: أنَّبهم الله بذلك [٣] من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع -وهم [٤] حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة ش، وهم [٥] حلفاء الأوس- فكانوا [٦] إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والحزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، و [٧] لا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به- بعضهم من بعض- يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون (٥١٢) ما أصابوا من دمائهم [٨]، وقتلى [٩] من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم.

يقول الله -تعالى ذكره-[حيث أنَّبَهم] [١٠] بذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم [١١] بحكم التوراة، وتقتلونهم [١٢]، وفي حكم التوراة أن لا يقتل [١٣]، ولا [١٤] يخرج [١٥] من داره، ولا [١٦] يظاهر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نزلت هذه القصة (٥١٣).


(٥١٢) - طلَّ دمه: أبطله، وأهدره.
(٥١٣) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٨٨) وتفسير ابن جرير برقم ١٤٧١ - (٢/ ٣٠٥).