وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ماكنتم تتكتّمون منا [١] الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم، لأنكم كنتم لا تعتقدرن أنه يعلم جميع أفعالكم، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾، أي: هذا الظن الفاسد - وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون - هو الذي [٢] أتلفكم وأرداكم عند ربكم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.
قال الإِمام أحمد ﵀(١٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عُمَارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر: قرشي، وخَتْناه ثَقَفيّان [٣]-أو: ثَقَفي [٤] وخَتناه قُرشيَّان- كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم. فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترَون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فقال الآخر [٥]: إن سمع منه شيئًا سَمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وكذا رواه الترمذي عن هناد عن أبي معاوية بإسناده نحوه (١٩).
وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضًا، من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عُمَارة بن عُمَير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ بنحوه (٢٠).
= والخطيب في تاريخه ٧/ ٣٩٦ من طريق مسلم بن خالد، والفضل بن العلاء - كلاهما - عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر به، وهذا الإسناد حسن، ابن خثيم من رجال مسلم. وللحديث شواهد من حديث بريدة بن الحصيب، وابن عباس وعبد الله بن عمرو وغيرهم. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٩٢، وابن أبي عاصم ١/ ٢٥٧، والطبراني (١١٢٣٠)، ١٩/ ٣٨٥، والبيهقي ٦/ ٩٥، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٢٨. (١٨) - المسند (١/ ٣٨١) (٣٦١٤)، (١/ ٤٢٦) (٤٠٤٧)، (١/ ٤٤٢) (٤٢٢٢). (١٩) - أخرجه الترمذي في كتاب التفسير من جامعه باب: "ومن سورة حم" حديث (٣٢٤٩). (٢٠) - أخرجه أحمد (١/ ٤٠٨) (٣٨٧٥)، (١/ ٤٤٢) (٤٢٢١)، (١/ ٤٤٣) (٤٢٣٨)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم من صحيحه، حديث (٢٧٧٥/ ٥)، والترمذي عقب الحديث رقم (٣٢٤٩) من الموضع السابق.