للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطعوكم، فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نُسَاكنكم في قرية واحدة.

فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسوّر [١] المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. الآية. فهم القردة.

(قلت): والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، ، من أن مسخهم إنما كان معنويًّا لا صوريًّا؛ بل الصحيح أنه معنوي صوري. والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا [لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [٢]. قال بعضهم: الضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. عائد على القردة، [وقيل: على الحيتان] [٣]، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية، حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية -والمراد أهلها- بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾. أي: عاقبناهم عقوبة فجعلناها [٤] عبرة، كما قال الله [٥] عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. أي: من القرى، [قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى] [٦]. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. الآية. على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في [٧] المكان، كما قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين (٤٥٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. قال [٨]: من بحضرتها من


(٤٥٧) - منكر، وهو عند ابن جرير برقم (١١٥٦)، وابن أبي حاتم برقم (٦٨١).