قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمَّد بن أبي [١] حماد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال: نزلت في رَجُل هَمَّ أن يتزوج بعضَ نساء النبي ﷺ. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك.
وكذا قال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁، حتى نزل التنبيه على [٢] تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل [٣] لغيره أن يتزوجها؟ على قولين: مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه- نزاعًا. والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني [محمد][٤] بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر: أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني ابن قيس- فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة؛ فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخيّرها رسول الله ﷺ ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر ﵄ وسكن (١٩٣).
وقد عظم ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، ثم قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾، أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، بأنه لا تخفى عليه خافية، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.