دعا أحدكم أخاه فَلْيُجِب، عُرسًا كان أو غيره" (١٩٠). وأصله في الصحيحين.
وفي الصحيح أيضًا (١٩١)، عن رسول الله ﷺ: "لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أُهدي إلي كُرَاع لقبلت. فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض". ولهذا قال: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونشوا أنفسهم، حتى شَق ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي [١] مِنْكُمْ﴾.
وقيل: المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي [٢] مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: ولهذا نهاكم عن ذلكم وزجركم عنه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعرٍ، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت أكل مع النبي ﷺ حَيسًا في قَعْب [٣](*) فمر عمر فدعاه فأصابت إصبعه إصبعي فقال: حس (**) -أو: أوه [٤]- لو أطاع فيكن ما رأتك عين. فنزل الحجاب (١٩٢).
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: هذا الذي أمرتكم به، وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.
(١٩٠) صحيح مسلم، كتاب النكاح برقم (١٤٢٩). (١٩١) في صحيح البخاري، كتاب الهبة برقم (٢٥٦٨) من حديث أبي هريرة، ﵁. (*) القعب: القدح الضخم. (**) في ز، خ: خير. وفي ت: حسن، وكلاهما تحريف غير ملائم للسياق. وقال ابن الأثير في النهاية: (١/ ٣٨٥) كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة كالجمرة والضربة ونحوهما. (١٩٢) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤١٩) من طريق زكريا بن يحيى عن ابن أبي عمر، به.