للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الله عليه وسلم ليفعل. فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب.

هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم (١٨٨)، من حديث هشام بن عروة، عن أنس، عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمة لا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة؛ أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين؟. قالت: فانكفأت راجعة، ورسولُ الله في بيتي، وإنّه ليتعشى، وفي يده عَرق (*)، فدخلت فقالت [١]: يا رسول الله؛ إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العرق في يده، ما وضعه. فقال: "إنه قد [٢] أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن". لفظ البخاري.

فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإِسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى على هذه الأمة؛ ولهَذا قال رسول الله : "إياكم والدخول على النساء! " (١٨٩).

ثم استثنى من ذلك فقال: ﴿إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.

قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفين [٣]، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا في ذم الطفيليين، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.

ثم قال تعالى: ﴿[وَلَكِنْ إِذَا] [٤] دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله : "إذا


(١٨٨) المسند (٦/ ٥٦) (٢٤٤٠١)، وأخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب: خروج النساء إلى البراز (١/ ٢٩٩ رقم: ١٤٦). وأطرافه في (١٤٧ - ٤٧٩٥ - ٥٢٣٧ - ٦٢٤٠). ومسلم في كتاب السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان. (٤/ ١٧٠٩، ١٧١٠ / رقم: ٢١٧٠).
(*) العرق: العظم أخذ عنه معظم اللحم وبقي عليه لحوم رفيقة طيبة.
(١٨٩) رواه البخاري في كتاب النكاح برقم (٥٢٣٢)، ومسلم في كتاب السلام برقم (٢١٧٢) من حديث عقبة بن عامر، .