الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ واحتجوا بهذه الآية الكريمة.
وقال البخاري (١٦٥): حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك- أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعَاذة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في اليوم [١] المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي فلإني لا أريد يا رسول الله؛ أن أوثر عليك أحدًا.
فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير [٢] فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك [٣] في ذلك، واعترفن بمنتك [٤] عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال الإمام أحمد [٥](١٦٦):
حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:
(١٦٥) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٩). (١٦٦) المسند (٦/ ١٤٤) (٢٥٢٢٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب: القسم بين النساء. (٢/ ٢٤٢ / رقم: ٢١٣٤). والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر. (٣/ ٤٣٧ رقم: ١١٤٠). والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. (٧/ ٦٣، ٦٤ / رقم: ٣٩٤٣). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء. (١/ ٦٣٣ / رقم: ١٩٧١). والدارمي في سننه (٢/ ١٩٣). وابن حبان في صحيحه (٦/ ٢٠٣ حديث ٤١٩٢). والحاكم في مستدركه (٢/ ١٨٧). كلهم من طريق حماد بن سلمة به. وقال الحافظ في التلخيص: وأعله النسائي والترمذي والدارقطني بالإرسال. وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله ..