وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿؛ فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، كيف يناله هؤلاء السبعون.
القول الثاني في الآية] [١]:
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم - فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله؛ فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطع الله علينا ويقول [٢]: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؛ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من اللَّه، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقَتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا [٣]: أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم. [وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.
وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح، والله أعلم] [٤].