للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذابَ الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠)

هؤلاء -أعني: أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم [شعيب] [١]، لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف كالغَيضة [٢]، كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب". وإنما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾. فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا. ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدكان، فزعم أن شعيبًا بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم.

وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي -وهو ضعيف- حدثني ابن السدي، عن أبيه وزكريا بن عمر [٣]، عن خصيف، عن عكرمة، قال [٤]: ما بعث الله نبيًّا مرتين إلا شعيبًا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.

وروى أبو القاسم البغوي، عن هُدبة، عن همام، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وأصحاب الرس﴾: قوم شعيب، وقوله: ﴿وأصحاب الأيكة﴾: قوم شعيب.

قال إسحاق بن بشر. وقال غير جوبير: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد. والله أعلم.

وقد روى الحافظ ابن عساكر (٩) في ترجمة "شعيب" من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد [٥]، عن سعيد بن أبي هلال، عن


(٩) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٠/ ٣٠٩).