للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)

يقول تعالى مخبرًا عن جواب قوم هود له، بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين لهم الحق ووضحه ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أي: لا نرجع عما نحن فيه، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهكذا الأمر فإن الله تعالى قال: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قرأ بعضهم: (إن هذا إلا خَلْق) -بفتح الخاء وتسكين اللام (*).

قال ابن مسعود، والعوفي عن عبد الله بن عباس، وعلقمة، ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين؛ كما قال المشركون من قريش: ﴿وقالوا أساطير الأولين [اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا﴾، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾] [١].

وقرأ آخرون (*): (إن هذا إلا خُلُق الأولين) -بضم الخاء واللام- يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.

قال [٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (٨).

قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. أي: فاستمرواه على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله. وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه


(٨) تفسير الطبري (١٩/ ٦٠).