للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية، أي: ريحًا شديدة الهبوب، ذات برد شديد جدا، فكان إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبرَه، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة كما قال: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم﴾. وهم عاد الأولى؛ كما قال: ﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ وهم من [نسل] [١] إرم بن سام بني نوح ﴿ذات العماد﴾ أي: الذين كانوا يسكنون العَمَد. ومن زعم أن "إرم" مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك [٢] أصل أصيل؛ ولهذا قال: ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ أي: لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد. وقال: ﴿فَأَمَّا [٣] عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.

وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا بمقدار أنف الثور، عتت على الخزنة بأذن [٤] الله لها في ذلك، وسلكت وحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الآية [٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كاملة، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. أي: بقوا أبدانًا بلا رءوس؛ وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر.

وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفررا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن [ذلك عن] [٦] أمر الله شيئًا، ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾. ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٤٥)


[١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[٢]- في ز، خ: "كذلك".
[٣]- في خ: "وأما".
[٤]- في ت: "فأذن".
[٥]- سقط من: ز، خ.
[٦]- ما بين المعكوفتين في ت: "عنهم ذلك من".