اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، تبنون هناك بناء محكمًا باهرًا هائلا؛ ولهذا قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. أي: معلمًا بناء مشهورًا، ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ وبهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ ذلك، لأنّه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال مجاهد: المصانع: البروج المشيدة، والبنيان المخلد. وفي رواية عنه: يروج الحمام.
وقال قتادة: هي مآخذ الماء. قال قتادة: وقرأ بعض القراء: (وتتخذون مصانع كأنكم خالدون) وفي القراءة المشهورة: ﴿لعلكم تخلدون﴾. أي: لكي تقيموا فيها أبدًا [١]، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.
و [٢] قال ابن أبي حاتم ﵀:- حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البينان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون! ألا تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه كانت قبلكم قرون، يجمعون فيوعُرن وكانون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا، ألا إنّ عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابًا، فمن [٣] يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟.
ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم [٤].