فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون [١] ما تعلمون من كتابي (٣٢٣).
وقال الضحاك (٣٢٤): عن ابن عباس في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم؟
وقال أبو جعفر بن جرير (٣٢٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجَرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: قال أبو الدرداء ﵁: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
والغرض: أنّ الله تعالى ذمّهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ بل على تركهم له، فإن الأمرَ بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن [الواجب و][٢] الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾.
فكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أنّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف،
(٣٢٣) - رواه ابن جرير برقم (٨٤٠)، وابن أبي حاتم برقم (٤٧٧) مختصرًا. (٣٢٤) - ابن جرير برقم (٨٤١). وسنده ضعيف (٣٢٥) - رواه ابن جرير ٨٤٦ - (٢/ ٨)، وابن أبي شيبة (٨/ ١٦٧ ع)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٢١٠). ومسلم الجرمي: هو مسلم بن أبي مسلم، أورده ابن حبان في الثقات (٩/ ١٥٨) وقال: ربما أخطأ، وقال الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وأورد له البيهقي حديثًا من وجهين عنه، وقال: غير قوي. قال الحافظ: وليس في إسناده من ينظر فيه غير مسلم هذا (اللسان ٦/ ٣٨). وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد: قال الحافظ: ثقة، فاضل كثير الإرسال. قال العجلي: فيه نصب يسير. وذكره العلائي في المدلسين. وقال الذهبي: ثقة في نفسه؛ إلا أنه يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها، ويدلس.