بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض [١] مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها [٢]، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فَبَلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه يخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعًا منه [٣] إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك [٤] حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ ويقول: لأمر ما خلقت.
ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، [فقال: الحمد لله][٥]، فقال له الله:"رحمك ربك".
فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوبه اشتهى المام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلق الإنسان من عجل﴾ ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.
قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقتُ بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر [٦] خلقته من طين.
قال الله له: ﴿فاهبط [٧] منها فما يكون لك﴾ يعني ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج [٨] إنك من الصاغرين﴾ والصغار هو الذل.
[١]- في تفسير الطبري: تنقص. [٢]- في ز، خ: "فعاذها". [٣]- زيادة في: خ. [٤]- في ز، خ: "بذلك". [٥]- زيادة من: ز، خ. [٦]- في ز، خ: "لمن". [٧]- في: اخرج. [٨]- في ز، خ: "اخرج".