للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. فجعلوا يمرون عليه وهم صريع فيقولون: منه! فيقول! إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمعه أولئك.

وقال أَبو إسحاق: عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم، ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم. وقد كان بالأمس قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فسمعه ناس منهم.

وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾، أي: حطامًا، كسرها كلها ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾، يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنَّه وضع القدوم في يد كبيرهم، لعلهم يعتقدون أنَّه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن نعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها.

﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: حين رجعوا [و] [١] شاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم، من الإهانة والإِذلال الدال على عدم إلاهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: في صنيعه هذا. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، أي: قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾، أي: شابًّا ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.

قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عوف، حدَّثنا سعيد بن منصور، حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس [٢]، عن ابن عبَّاس قال: ما بعث الله نبيًّا إلا شابًّا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.

وقوله: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾، أي: على رءوس الأشهاد في الملإِ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإِبراهيم أن يَتَبَيَّن في هذا المحفل العظيم كثرةُ جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضرًّا، ولا [تستطع] [٣] لها نصرًا، فكيف يطب منها شيء من ذلك؟

﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [يعني] [٤]: الذي تركه لم يكسره ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وإنَّما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، فإن هذا لا يصدر عن هذا الصنم، لأنه جماد.


[١]- في ز: "أو".
[٢]- بعده في ت: عن أبيه.
[٣]- في ت: "تملك".
[٤]- سقط من: ز.